عدوى الأزمة… فقاعة الأسواق الناشئة على وشك الانفجار

القاهرة يواجه عدد من دول الأسواق الناشئة أزمات مالية، وسط تعثر لعملاتها المحلية مقابل الدولار الأميركي، مما دفع بعضها لرفع الفائدة بنسب مرتفعة للغاية في محاولة لاستبقاء المستثمرين الأجانب. في الوقت الذي يخشى المستثمرون فيه من أن تعاني الاقتصادات الناشئة الأخرى في النهاية من نفس المشاكل التي تعاني منها تركيا، وفي الأرجنتين، هرب كثير من المستثمرين الأجانب وسط ارتفاع التضخم نتيجة ارتفاع أسعار الفائدة الأميركية وارتفاع الدولار.
وكانت هناك عمليات بيع في العملات من جنوب أفريقيا إلى إندونيسيا. وقال جيسون تواي، وهو اقتصادي بارز في الأسواق الناشئة في شركة كابيتال إيكونوميكس: «أعتقد أن هناك بالتأكيد عدوى».
وتبدو الأسواق الناشئة شديدة الهشاشة في المرحلة الراهنة، خاصة في ظل تصاعد الصراع التجاري العالمي المضر بشكل كبير بالأسواق الناشئة، وسحب الصناديق العالمية مليارات الدولارات من أسواق الديون في البلدان الناشئة مند أوائل مايو (أيار) الماضي، وانخفاض مؤشرات الأسهم بشكل حاد.

مخاوف مصرية
ومن جانبها، أشارت صحيفة «وول ستريت جورنال» إلى أن مخاوف امتداد تبعات الأزمة الاقتصادية التركية وتأثيرها على الأسواق الناشئة بدأت تتكاثف في مصر، خاصة مع ما شهدته البورصة المصرية خلال الأسبوع الماضي من تحقيق أسوأ نتائجها في نحو عام كامل.
لكن وزير المالية المصري، الدكتور محمد معيط، قال إن مصر تتعامل بشكل جيد حتى الآن مع تداعيات اضطراب الأسواق الناشئة. وأضاف أن ما يحدث في الأسواق الناشئة كان له تأثير على أسعار الفائدة، موضحا أن الاقتصاد المصري لم يتأثر حتى الآن، لكنه قال إن هناك حالة من عدم اليقين تسيطر على المستثمرين الأجانب، وأنه حال استمرار تلك الاضطرابات قد يواجه الاقتصاد مشكلات مستقبلية.
وكانت الأسهم المصرية هوت بشكل كبير، لتتفاقم خسائرها التي بلغت في أسبوع نحو 74 مليار جنيه (4.12 مليار دولار) من قيمتها السوقية، وسط مخاوف دفعت صغار المستثمرين لبيع أسهمهم مواكبين اتجاه المؤسسات المصرية، وفي مقابل مشتريات من المستثمرين الأجانب. وبرر خبراء اقتصاد الهبوط الكبير بشح السيولة واضطرابات الأسواق الناشئة. وتأتي التراجعات الحادة للأسهم قبل أسابيع قليلة من بدء الحكومة في تنفيذ برنامج لطرح حصص من شركات حكومية في البورصة.
وعزت رانيا يعقوب، رئيس مجلس إدارة ثري واي لتداول الأوراق المالية، الهبوط الحاد إلى «الشح الشديد في السيولة بالسوق، وتخوف المستثمرين من أزمة الأسواق الناشئة».
وتتعرض أسواق المال المصرية لضغوط بوجه عام، حيث ألغت مصر ثالث عطاء لها لبيع سندات وسط عائدات مرتفعة تطلبها البنوك والمستثمرون على أدوات الدين التي تشهد تخارجا من الأجانب خلال الفترة الأخيرة، مما نزل بصافي استثماراتهم فيها إلى 17.1 مليار دولار بنهاية يوليو (تموز) من نحو 23 مليار دولار في مارس (آذار) الماضي.

هروب الاستثمار
سحب المستثمرون 14 مليار دولار من الأسواق الناشئة في الفترة بين مايو ويونيو ما دفع بعض البنوك المركزية لرفع أسعار الفائدةـ بحسب كريستيان لاغارد، مديرة صندوق النقد الدولي.
وسط توقعات بزيادة هروب رؤوس الأموال سوءاً مع استمرار الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي) الأميركي في رفع أسعار الفائدة ما يجعل الاستثمار في الولايات المتحدة أكثر جاذبية.
تبدو الأسواق الناشئة شديدة الهشاشة في المرحلة الراهنة، حيث تنزلق دولة تلو الأخرى في أزمة مالية قاسية. ورغم أنّ البلدان النامية عادة ما تكون متقلّبة، لكنّ الوضع الآن قد يكون بداية لشيء أكثر جدية. علما بأنه قد سجّل أخيرًا الكثير من الإشارات السلبية جدًا مثل: ارتفاع أسعار الفائدة الأميركية، وهو أمر سيّئ بالنسبة للعالم النامي. إضافة إلى تصاعد الصراع التجاري العالمي المضر بشكل كبير بالأسواق الناشئة، وكذلك خطورة هيمنة أسهم التكنولوجيا على كثير من مؤشرات الأسهم في هذه الأسواق. وتدهور الاقتصاد الأرجنتيني، الدي شهد تطورات قاسية، ليس أخطرها رفع الفائدة وانخفاض قيمة العملة المحلية. وانخفاض الليرة التركية والريال الإيراني إلى مستوى قياسي مقابل الدولار. وتذبذب الروبل الروسي، وتدهور الأوضاع في فنزويلا. وسحب الصناديق العالمية مليارات الدولارات من أسواق الديون في البلدان الناشئة مند أوائل مايو الماضي، وانخفاض مؤشرات الأسهم بشكل حاد.
وتعرّضت أسهم الأسواق الناشئة وعملاتها لضغوط جراء مخاوف متعلقة بالتضخم في تركيا وبعد أن أظهرت بيانات أنّ جنوب أفريقيا دخلت في كساد خلال الربع الثاني. وعلما بأن أزمة الأسواق الناشئة كلاسيكية وتشبه كثيرًا تأثير الدومينو، ما إن يسقط بلد حتى تتداعى باقي البلدان، وهذا ما حدث عام 1997. عندما اندلعت الأزمة المالية الآسيوية في تايلاند ثم امتدت إلى دول المنطقة، لذا قد يتجدّد السيناريو نفسه.

السندات طويلة الأجل
قال بنك التسويات الدولية إن تحول الأسواق الناشئة إلى إصدار السندات المحلية الطويلة الأجل على نطاق واسع يجعلها أكثر مقاومة للصدمات الخارجية رغم زيادة مستويات الدين العام.
وسبق أن حذر البنك، وهو مظلة لبنوك مركزية عالمية، من أن العالم النامي يواجه أزمة جديدة نظرًا لارتفاع مستويات الدين وبصفة خاصة في الصين. لكن تقريره الأخير أظهر أن التغييرات في تركيبة الدين خففت من حدة الأزمة.
وقال البنك في تقريره الفصلي الذي نشر اليوم الأحد إن الدين الحكومي في الأسواق الناشئة بلغ 11.1 تريليون دولار، حيث ارتفع إلى المثلين منذ نهاية 2007. وزاد الدين العام كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي إلى 51 في المائة، مرتفعا عشر نقاط مئوية عن مستوياته في نهاية 2007.
وأظهرت بيانات البنك أن 14 في المائة فقط من الديون القائمة لأكبر 23 دولة نامية بالعملة الأجنبية، انخفاضا من 32 في المائة في نهاية 2001.
لا يزال الاقتراض الخارجي يشكل نحو ثلث إجمالي الاقتراض في بعض الدول مثل تركيا وبولندا، فقد شهدت مثل تلك الإصدارات انخفاضا على نطاق واسع.
وقال البنك: «انخفاض الدين بالعملة الأجنبية في أوائل الألفية الثالثة ربما ساهم في تحصين الاقتصادات الناشئة من اختلال السوق العالمية في الأزمة التي وقعت بين 2007 و2009 وما تلاها». وأشار البنك أيضا إلى أن فترة استحقاق السندات زادت بشكل مطرد في الأسواق الناشئة، لتبلغ 7.7 عام في المتوسط في عينة من 23 دولة أُجري عليها البحث.
وأشار إلى المكسيك وجنوب أفريقيا كمثال للدول التي مددت متوسط فترة الاستحقاق إلى ثماني سنوات و16 سنة على الترتيب، وهو أعلى بشكل كبير من كثير من الدول المتقدمة.