تتجه الأنظار اليوم بذهول نحو كاراكاس التي استيقظت على واقع جديد فرضته قوة السلاح، حيث لا تزال أصداء حرب امريكا على فنزويلا تتردد في أروقة المحافل الدولية. إن هذا الاعتداء العسكري السافر، الذي انتهى باحتجاز الرئيس مادورو واقتياده قسرياً لمحاكمته خارج حدود بلاده، قد وضع السيادة الوطنية الفنزويلية في مهب الريح. واليوم، وبينما تحاول البلاد لملمة جراحها، يظهر جلياً أن الثمن الإنساني والسياسي كان باهظاً، وسط محاولات واشنطن لإعادة تشكيل مستقبل بلد غني بالموارد وفق رؤيتها الخاصة.
دماء على أرض العاصمة: الثمن الباهظ للاعتداء
لم تمر العملية العسكرية الأمريكية فوق الأراضي الفنزويلية دون أن تترك خلفها حصيلة دامية من الضحايا الذين دافعوا عن مقارهم العسكرية. فقد اعترف وزير الدفاع الفنزويلي، فلاديمير بادرينو، بمرارة بسقوط 47 جندياً فنزويلياً خلال الهجوم الذي استهدف كاراكاس، مشيراً إلى أن من بين القتلى تسع نساء من المجندات اللواتي كن في خطوط الدفاع الأولى. هذا الرقم الرسمي يصطدم مع تقديرات أخرى لوزير الداخلية، الذي تحدث عن مقتل قرابة 100 شخص في المجمل، مما يعكس حجم الفوضى والعنف الذي صاحب التدخل العسكري.
الخسائر البشرية لم تتوقف عند الحدود المحلية، بل امتدت لتشمل حلفاء إقليميين، حيث تسلمت كوبا رفات 32 من جنودها الذين قضوا في المعارك التي دارت صبيحة الثالث من يناير الجاري. إن سقوط هؤلاء الضحايا يطرح تساؤلات أخلاقية وقانونية عميقة حول مشروعية استخدام القوة المفرطة لانتزاع قيادة دولة من مقرها، وهو ما يراه الكثيرون اعتداءً صريحاً يتجاوز كافة الأعراف الدولية المتعلقة باحترام سيادة الدول واستقلالها السياسي.
كواليس الاتصالات السرية واختراق الجبهة الداخلية
كشفت التقارير الاستخباراتية المسربة، والتي نقلتها وكالة رويترز، عن خبايا صادمة سبقت العملية العسكرية بأشهر. فقد تبين أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب كانت تجري اتصالات سرية مكثفة مع وزير الداخلية الفنزويلي، ديوسدادو كابيو، الرجل القوي في الجهاز الأمني. هذه الاتصالات لم تكن تهدف فقط للتحذير من استهداف المعارضة، بل كانت جزءاً من خطة أوسع لتحييد القوى الأمنية وضمان عدم تصديها الكامل للهجوم المرتقب.
المثير للجدل أن كابيو، الذي ورد اسمه في لوائح اتهام أمريكية متعلقة بتهريب المخدرات (وهي نفس الذريعة التي استخدمت لاعتقال الرئيس السابق)، لم يتم اعتقاله في العملية. هذا التناقض يثير الشكوك حول وجود صفقات خلف الكواليس تهدف إلى تفكيك النظام من الداخل مقابل ضمانات أمنية لبعض أركانه، مما يجعل المشهد السياسي الحالي في فنزويلا معقداً للغاية، حيث يتداخل فيه الصراع العسكري بالخيانة والتحالفات السرية التي أضعفت الدولة في وجه التدخل الخارجي.
إعادة هندسة قطاع النفط: الاقتصاد تحت الوصاية
بمجرد هدوء أصوات المدافع، بدأت واشنطن في تنفيذ أجندتها الاقتصادية المتعلقة بموارد فنزويلا الضخمة. فقد أعلن وزير الطاقة الأمريكي، كريس رايت، عن تحرك سريع لتوسيع ترخيص شركة “شيفرون” النفطية، بحيث يسمح لها ببيع النفط المنتج في فنزويلا نقداً بدلاً من استخدامه لسداد الديون. هذا التغيير الجذري يعني ببساطة أن الولايات المتحدة بدأت تسيطر فعلياً على مسارات تدفق الخام الفنزويلي إلى الأسواق العالمية.
بالإضافة إلى ذلك، تدرس وزارة الطاقة الأمريكية مقترحاً لمبادلة النفط الفنزويلي الثقيل بخام أمريكي متوسط لملء الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأمريكي. هذا النوع من الصفقات، الذي يتم في ظل غياب حكومة شرعية مستقرة وبفعل الأمر الواقع العسكري، يراه مراقبون بمثابة استيلاء اقتصادي مغلف بغطاء تجاري. فالشركات الفنزويلية المحلية باتت تعتمد الآن على “منح” مالية، مثل الـ 300 مليون دولار التي تم الإفراج عنها من حسابات في قطر، لتمكينها من شراء المواد الخام، مما يجعل الاقتصاد الفنزويلي بالكامل تحت رحمة القرارات الصادرة من واشنطن.
التجاذبات السياسية بين الرئاسة المؤقتة والمعارضة
في ظل هذا الواقع المرير، تحاول ديلسي رودريجيز، القائمة بأعمال الرئيس، المناورة في مساحة ضيقة للغاية. ففي خطابها الأخير، دعت إلى تحسين العلاقات مع واشنطن وفتح باب الاستثمارات الأجنبية، وهي دعوة بدت وكأنها استسلام للأمر الواقع المفروض بقوة السلاح. ورغم أن ترمب وصفها بـ “الشخص الرائع”، إلا أن زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية، جون راتكليف، إلى كاراكاس تحمل دلالات واضحة على أن “التعاون” المقترح محكوم برقابة أمنية أمريكية لصيقة.
من جهة أخرى، برزت زعيمة المعارضة، ماريا كورينا ماتشادو، كلاعب رئيسي في هذا المشهد، حيث التقت بترمب في البيت الأبيض وأهدته ميدالية جائزة نوبل للسلام الخاصة بها. هذا التحالف العلني بين المعارضة والقوة التي نفذت الهجوم العسكري يكرس الانقسام الوطني، ويظهر أن المستقبل السياسي لفنزويلا يتم رسم معالمه في المكاتب البيضاوية بواشنطن أكثر مما يتم في شوارع كاراكاس أو عبر صناديق الاقتراع الوطنية، مما يزيد من مشاعر الإحباط لدى المتمسكين بمبدأ استقلال القرار الوطني.
الملف الحقوقي والضغوط الدولية المستمرة
وسط هذه الضغوط، بدأت بعض الانفراجات الحقوقية المحدودة تظهر على السطح، حيث تم الإفراج عن 139 سجيناً سياسياً كبادرة حسن نية من الإدارة المؤقتة. ومع ذلك، يظل هذا التحرك موضع تساؤل: هل هو نتاج قناعة وطنية أم مجرد استجابة لمطالب القوى الخارجية لشرعنة الوضع الجديد؟ دول مثل تركيا أعلنت رغبتها في مواصلة العلاقات مع الإدارة الجديدة، بحثاً عن استقرار يحمي مصالحها، وهو ما يشير إلى أن العالم بدأ يتكيف مع الواقع الفنزويلي الجديد رغم مرارة الطريقة التي فرض بها.
إن إطلاق سراح السجناء، رغم أهميته الإنسانية، لا يمكن أن يحجب حقيقة أن البلاد تعيش تحت ضغط عسكري واقتصادي غير مسبوق. فالشركات الفنزويلية التي كانت تئن تحت وطأة العقوبات تجد نفسها الآن مضطرة للتعامل مع “مسوقين” جدد لنفطها تحت إشراف أمريكي كامل، وهو ما يطرح تساؤلاً جوهرياً حول المدى الذي يمكن أن تذهب إليه أي دولة في الدفاع عن مواردها حين يتم استهداف سيادتها بشكل مباشر ومنظم.
في الختام
إن ما شهدته فنزويلا في مطلع عام 2026 سيظل محفوراً في ذاكرة التاريخ كواحد من أقسى الأمثلة على كيفية انهيار السيادة الوطنية أمام القوة العسكرية العظمى. إن الاعتداء على الدولة واختطاف رئيسها وتفكيك منظومتها الأمنية عبر اتصالات سرية، كلها عوامل تشير إلى أننا أمام فصل جديد من فصول إعادة رسم الخرائط السياسية بالقوة. ورغم الوعود بالازدهار والتعافي، يظل الجرح الإنساني الناجم عن سقوط الجنود والمدنيين، وفقدان استقلال القرار الوطني، هو الأثر الأبقى الذي سيرافق الشعب الفنزويلي في رحلته نحو مستقبل مجهول المعالم، محكوم بتوازنات القوى وليس بإرادة الشعوب الحرة.




